قصيدة مأساة لشبونة | فولتير

فولتير
فولتير

في صباح الأول من نوفمبر عام ١٧٥٥ إحتشد الناس في كنائس لشبونة في عيد جميع القديسين. وفيما هما متحلقون حول الكاهن وقع زلزال قوي أدى إلى إرتفاع أمواج البحر إلى ٢٠ متراً، ثم إجتاحت هذه الأمواج المدينة فقُتل فيها مئة ألف نسمة ودُمر ٨٥% منها بما في ذلك قصورها المشهورة وكنائسها ومكتباتها ودار الأوبرا والقصر الملكي والأرشيف الملكي وسجل رحلات فاسكو دي غاما. وهنا بدأ اليسوعيون (الجزويت) يروجون أن هذا الزلزال هو عقوبة من الله على الرذيلة التي فشت في لشبونة. لكن هذا الزلزال قضى على الرهبان والراهبات في مَن قضى عليهم، بينما نجا الكثيرون من أعداء اليسوعيين. وهلّل أهل المغرب له لأنهم إعتبروه إنتقاماً إلهياً من محاكم التفتيش، مع أن الزلزال ضرب المغرب أيضاً وقتل بعض سكانه وهدم مسجد الرباط. حتى أن البروتستانت وجدوا في هذا الزلزال عقاباً للكاثوليك.

بعد ١٨ يوماً، أي في ١٩ من نوفمبر عام ١٧٥٥، وقع زلزال آخر على الطرف الغربي للأطلسي دمّر ١٥ ألف منزل في بوسطن التي كان البيوريتانيون يعيشون فيها. وهذا ما دفع فولتير إلى الهجوم على رجال الدين بقوله:

«أيها الحكماء الحمقى، أي جريمة إرتكبها هؤلاء الأطفال الذين إغتالهم الزلزال وسالت دماؤمهم وهم في أحضان أمهاتهم؟ وهل كانت رذائل لندن أو باريس أقل من رذائل لشبونة؟ ومع ذلك دُمرت لشبونة وباريس ترقص. ألم يكن في مقدور الله أن يصنع عالماً ليس فيه هذا الشقاء الذي لا معنى له؟»

وأنفجر فولتير ونظّم شعراً مؤثراً عبّر فيه تعبيراً عنيفاً عن هذه المعضلة القديمة.

أنا جزء صغير من الكل الكبير

نعم، لقد حكم على جميع الحيوانات بالحياة

لقد ولدت جميع المخلوقات بمقتضى القانون ذاته

وهي تتألم مثلي ومثلي تموت

يشد الصقر على فريسته الوجلة

ويطعن بمنسره الدامي أطرافها المرتعشة

ويبدو كل شيء على ما يرام في عينيه لفترة

ويمزق النسر الصقر إلى قطع شر تمزيق

ويرشق الإنسان النسر بنباله ويقتله

ويسقط الإنسان في غبار معارك الحروب

ويختلط دمه بدماء القتلى من رفاقه

ويصبح بدوره طعاماً للطيور الكاسرة

وهكذا كل شيء في هذا العالم يئن ويتألم

لقد ولد الجميع للعذاب والموت

ومن فوق هذه الفوضى الشاحبة ستقول

ينزل الشر بواحد لخير الجميع.

ما هو النعيم! عندما تصرخ بصوت فانِ يرثى له كل شيء حسن.

إن الكون يناقضك، ويناقض قلبك

ويدحض مئة مرة أوهام عقلك

ما هو رأي هذا العقل الأوسع؟

صمتاً، إن كتاب القدر مغلق علينا

إن الإنسان غريب في بحثه ولا يعرف من أين يجيء وإلى أين يذهب.

ذرات معذبة في فراش من طين يبتلعها الموت، سخرية القدر

إن وجودنا ممزوج باللانهائي ولن نرى أنفسنا أو نعرفها أبداً.

إن هذا العالم مسرح للكبرياء والخطأ يعج بالمجانين المرضى الذين يتحدثون عن السعادة.

لقد غنيت مرة بأنغام أقل كئابة وحزناً بأن السرور المشرق هو الحكم العام

ولكن الوقت قد تغير

وعلمني تقدم العمر أن أشارك الناس في إنكسارهم وأبحث عن ضوء

وسط الظلام العميق.

لا أقدر إلا أن أقاسي ولن أتذمر أو أتضجر.

رمزية زلزال لشبونة في عام ١٧٥٥م، رسم جواو قلاما. تصوّر الرسمة ملاكاً -أعلى يسار الزاوية- يحمل سيفاً نارياً.
رمزية زلزال لشبونة في عام ١٧٥٥م، رسم جواو قلاما. تصوّر الرسمة ملاكاً -أعلى يسار الزاوية- يحمل سيفاً نارياً في تجسيد لعقاب الإله.

المصادر:

كتاب قصة الفلسفة، ويل ديورانت.

كتاب الدين والدهماء والدم: العرب واستعصاء الحداثة، فخر أبوصقر.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s