اقتباسات من قصة “الفلاحون” لتشيخوف

ولم يكن يخشى الموت سوى الفلاحين الأغنياء الذين كلما ازدادوا ثراء قلّ إيمانهم بالله وبخلاص الأرواح، وبسبب الخوف وحده من نهاية العالم، وتحوطاً، كانوا يضعون الشموع ويقيمون القداسات. أما الفلاحون الفقراء فلم يخشون الموت. كان يقال للعجوز والجدة في حضورهما أنهما عاشا طويلا وآن لهما أن يموتا، فلا يعبآن. وفي حضور نيكولاي لم يكونوا يخجلون من القول لفيكلا بأنه عندما يموت نيكولاي، فسيستفيد زوجها دينيس، إذ سيسرحونه من الخدمة العسكرية. أما ماريا فلم تكن تخشى الموت فحسب بل كانت تأسف لأنه تأخر إلى هذا الحد، وكانت تشعر بالسرور عندما يموت أطفالها.

لم يكونوا يخشون الموت لكنهم كانوا ينظرون إلى الامراض بخوف مبالغ فيه. كانت تكفي أية إصابة تافهة -كإضطراب في المعدة، أو حرارة بسيطة- حتى ترقد الجدة على الفرن وتبدز في التأوه بصرت عال وبلا توقف: «آه، أموت!» ويسرع العجوز بإستدعاء القس لمناولتها ومسحها بالزيت. وكثيرا ما كانوا يتحدثون عن نزلة البرد، وعن الديدان، وعن الاورام المتحركة في البطن والواصلة إلى القلب. وكانت نزلة البرد أكثر ما يخشونه، ولذلك كانوا يلبسون الملابس الثقيلة حتى في الصيف ويتدفأون على الفرن.

makovskiy_vladimir_peasant_children_1890
أطفال الفلاحين | مايكوفيسكي ١٨٩٠

وأثناء الصيف والشتاء كانت تمر بها ساعات يبدو لها فيها أن هؤلاء الناس يعيشون اسوأ من الحيوانات، وكانت الحياة مرعبة. فهم أفظاظ، غير شرفاء، قذرون، مخمورون، لا يعيشون في وفاق، يتشاجرون دائما لأنهم لا يحترمون بعضهم البعض ويخافون ويرتابون. من يفتح الحانات ويُسكر الناس؟ الفلاح. ومن يبدد الاموال العامة وأموال المدارس والكنائس وينفقها في الشراب؟ الفلاح. من سرق جاره، وأحرق، وشهد زورا في المحكمة مقابل زجاجة فودكا؟ من أول من يهاجم الفلاحين في إجتماعات المجلس المحلي وغيرها؟ الفلاح. نعم، كانت الحياة بينهم مرعبة، ومع ذلك فهم بشر، يعانون ويبكون كالبشر، وليس في حياتهم شيء لا يمكن إلا تجد له مبررا. العمل الشاق الذي يئن منه الجسد تعبا في الليالي، وفصول الشتاء القاسية، والمحاصيل الشحيحة، وضيق المسكن، ولا مساعدة، وليس من جهة تتوقعها منها. فالأغنى والأقوى منهم لا يستطيعون مساعدتهم لأنهم هم أنفسهم أفظاظ، غير شرفاء، مخمورون، ويسبون نفس السباب الكريه. وأصغر موظف أو وكيل يعامل الفلاحين معاملة المتشردين ويخاطب حتى الشيوخ ورؤساء الكنائس بصيغة المفرد ويعتقد أن له الحق في ذلك. وهل يمكن أن يكون ثمة أي عون أو مثال طيب من أناس مغرضين، جشعين، فاسقين، كسالى، لا يذهبون إلى القرى إلا لكي يهينوا وينهبوا ويرهبوا؟ وتذكرت أولجا كيف كان منظر العجوزين بائسا ذليلا عندما سيق كيرياك شتاء لمعاقبته بالجلد… وهي الآن تشعر بالرثاء والالم لكل هؤلاء الناس، وراحت طوال سيرها تتلفت نحو الدور.

فلاح خجول | ريبين ١٨٧٧
فلاح خجول | ريبين ١٨٧٧
عائلةُ فلّاحة | الأخوة لينين ١٦٤٢
عائلةُ فلّاحة | الأخوة لينين ١٦٤٢
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s