شخصيات الأبطال عند دوستويفسكي وتروجنيف وتولستوي

original_14586

تُعد الدكتورة حياة شرارة من الكتّاب الذين نقلوا الأدب الروسي إلى اللغة العربية، وساعدت كثيراً في  فهم أساليبه وطرائق كتّابه في الحبكة والكتابة، كما أنها مؤلفة ومترجمة. انقل لك هنا اقتباسات من كتابها  «تولستوي فناناً» -ولتحميل الكتاب، اذهب مباشرةً  إلى نهاية التدوينة- لشخصيات أبطال تولستوي ومقارنتها مع شخصيات أبطال معاصريه مثل دوستويفسكي وتروجنيف. وأود التنويه إلى قراءة روايتي «الحرب والسلام» و «آنا كارنينا» قبل الهم بقراءة الكتاب، لأن شرارة اعتمدت هذه الروايتين كنموذجين في شرحها لفن تولستوي في الكتابة، ويحتوي شرحها في الكتاب على العديد من التفاصيل المهمة التي من الممكن أن تفسد عليك لذة قراءة الروايتين لاحقاً.

بطل دوستويفسكي:

Vasily_Perov_-_Портрет_Ф.М.Достоевского_-_Google_Art_Project

يحدد باختين في بحثه عن (فن دوستويفسكي) الصفات التي يتسم بها بطله فيقول: «لا يهم البطل دوستويفسكي باعتباره مظهراً من مظاهر الواقع ومالكاً لصفات اجتماعية نموذجية وفردية ثابتة، ولا يهمه كشخصية معينة تتكون من صفات فردية موضوعية تجيب مجتمعة على سؤال (من أنا) وإنما يعينه باعتباه وجهة نظر العالم ولنفسه، وباعتباره تقديراً لموقف الانسان من ذاته والواقع المحيط به. فدوستويفسكي لا يعنيه من يكون بطله في هذا العالم وإنما يهمه قبل كل شيء ما هو العالم بالنسبة للبطل ومن هو البطل بالنسبة لنفسه بالذات».

من أجل إبراز هذه الصفات المتناقضة في شخصية البطل، يجعله دوستويفسكي يخوض معترك الحياة ويعيش في أعماقها ويتعرف على مختلف أبعادها. ويعكس البطل لنا من خلال تجربته وأفكاره الحياة الروسية التي تعج بالمتناقضات والصراعات. وفي الوقت نفسه ترتفع تجربة البطل عن كونها مجرد انعكاس للواقع الروسي وتأخذ طابعاً عالمياً شاملاً. فأبطال دوستويفسكي يعكسون المشاكل والتجارب الإنسانية عامة والأهواء التي تتنازع النفس البشرية.

بطل تروجنيف:

Turgenev_by_Repin

يؤمن أبطال تروجنيف بفكرة معينة قلما تصمد أمام الواقع. ويصل البطل أثناء حياته إلى حد معين في بحثه يقف عنده ولا يتخطاه. فهو لا يواصل السعي ولا التفتيش في حالة فشله مثل بطل تولستوي. فعنده أبعاد لا يتجاوزها ولا يمكنه أن يرى ما وراءها من حقائق وسبل جديدة.

إن حياة بطل تروجنيف تنتهي على الأغلب نهاية تراجيدية مؤلمة، دون  تحقيق المثل والأفكار التي يحملها. وهو لا يتغلب على المأساة في حياته كما يفعل بطل تولستوي الذي يستسلم للآلام التي يلاقيها لفترة محدودة ثم يشفى منها ويعاود بحثه، فهذا ما لا يفعله بطل تروجنيف والسبب يعود إلى نظرة الكاتب التراجيدية للحياة. وقد كتب تروجنيف إلى لامبيرات في أكتوبر عام ١٨٥٩ يحدثه حول المأساة في حياة كل شخص. ومما يقول «لقد خطر في بالي قبل فترة قصيرة أن في حياة كل إنسان تقريباً تراجيديا ولكنها خافية عنده بواسطة مظاهر الحياة التافهة».

بطل تولستوي:

tolstoy4

إن رسم تولستوي لشخصية البطل في تطورها وتغيرها أدى إلى توسيع شخصيته وإغنائه.هذا وإن تأكيد تولستوي للصفات العامة في شخصية البطل التي تعتبر من مميزات الناس أجمع عندما يكون في نفس الوضع يضفي عليهم صفة الشمول والعموم. فهم ليسوا نماذج فردية لا يجمعها جامع مع الآخرين وإنما يحملون الصفات الإنسانية العامة. ولذا يجد القارئ في أفكارهم وترددهم ومشاكلهم وأزماتهم النفسية تعبيراً عن ذاته أيضاً.

إن اتصاف هؤلاء الأبطال بصفات نموذجية لا يعني أنهم لا يملكون فرديتهم المتميزة. ولا يمكننا أن نتفق في هذا الصدد مع رأي الناقد الانجليزي نيفيل فوربيس بأن تولستوي قد خلق «أفراداً لا شخصيات إنسانية». فإن شخصياته تتمتع بكل الخصال التي توحدها وتقيم العرى بينها وبين البشرية، فأبطالهم نماذج بشرية يجد كل جيل على الرغم من اختلاف الزمان والمكان صلته بهم سواء في مشاغلهم الخاصة أو أخطائهم والآمهم وهمومهم وبحثهم الدائم عن هدف الحياة ومعناها وتفتيشهم عن السعادة والخير، وقد أشار أوليمر مود إلى قوة وحيوية شخصيات تولستوي قائلاً «تبقى ناتاشا وبيير وأندريه ونيقولاي والأميرة ماري أحياء في ذاكرتنا حتى بعد عشرين سنة من قراءة الرواية. وإننا لنعرفهم ونفهم أفكارهم أكثر مما نعرف شخصيات وأفكار كثير من أقارب معارفنا».

يهدف بطل تولستوي إلى تحويل أفكاره لحقيقة واقعة ولذلك يلجأ إلى اختبارها في التطبيق العملي للتأكد من صحتها. وكثيراً ما تظهر معتقداته بعيدة عن الواقع خيالية وطوبائية. ولذا يعاود البطل البحث من جديد ويحاول تلمس أسباب إخفاقه ومعرفتها من أجل تجنبها وتلافيها. إن هذا البحث المتواصل الذي لا يعرف الكلل يقود البطل إلى تعميق معرفته لنفسه ولمعتقداته ويجعله يعيد النظر باستمرار في مواقفه الفكرية ونظرته إلى الحياة. هذا من جهة، ومن جهة أخرى تساعد هذه النظرة التحليلية المتفحصة وهذا الفكر المرن البطل على معرفة الحياة بشكل أعمق وأشمل.

يهتم البطل بفهم ذاته ومعرفتها قبل كل شيء. ففهم الإنسان لذاته هو الأساس الذي يمكن الانطلاق منه لمعرفة الناس المجتمع والعالم أجمع.

تستطيع تحميل الكتاب من المكتبة المفتوحة (٣٦ ميقا):

http://bit.ly/1OcZYiW

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s